الحكومة والأسواق في الإقتصاد الحديث

الحكومة والأسواق في الإقتصاد الحديث 

لم يكن خوروشوف مخطئا" , فقد شهدت السنوات الماضية عودة درامية إى إقتصاد السوق في مختلف أنحاء العالم . وبعد عقود من تمجيد مزايا التخطيط المركزي , والإقتصاد الموجه الذي تديره الحكومة , بدأت روسيا ومعظم دول أوروبا الشرقية عملية للتحول الصعب إلى اللامركزية , واقتصاد السوق الحرة , وفي حين أن الصين ما زالت خاضعة لإدارة الحزب الشيوعي , فقد شهدت إزدهارا" إقتصاديا" في أواخر الثمانينات وأوائل التسعينات بفضل السماح للأسواق أن تنمو , وحققت الدول النامية من أمثال المكسيك وتشيلي وتايلند نموا" سريعا" في الدخل القومي بتيني الرأسمالية وتقليل دور الحكومة في إقتصادياتها .
وحتى الدول الصناعية المتطورة في الغرب لم تكن محصنة ضد تيار قوى السوق التي اكتسحت العالم , وفي الكثير من هذه الدول انتخب الشعب قادة أمثال رونالد ريغن , الذي وعد بعكس التيار الذي استمر طويلا" وذلك بتخفيض دور الحكومة الإقتصادي , وكان ذلك يعني خفض الضرائب والنفقات وخفض القيود على الصناعات , والتخلص من منشات الأعمال التي تديرها الحكومة ببيعها إلى القطاع الخاص .
ولا يمكن إنكار دور الأسواق في تقوية التنمية , لكن لا تذهب لأبعد من ذلك كالإعتقاد أن الحكومة عضو طفيلي من العهد القديم , ولا ضرورة لها . فالحكومة تلعب دورا" رئيسيا" بتوفير مناخ امن يمكن للأسواق أن تزدهر فيه , وفي كبح تجاوزات الأسواق التي ليس هناك من يكبح جماحها , ويعتمد إزدهار أي اقتصاد حديث على الحصول على توازن ملائم وتقاسم للمسؤوليات ما بين الأسواق والحكومة .
فما هو إقتصاد السوق بالضبط , وما الذي يعطيه كل هذه القوة ؟ وما هو رأس المال في الرأسمالية ولماذا نحتاج لتدخل الحكومة في بعض الأحيان لمساعدة الأسواق ؟ لقد حان الوقت لفهم المبادئ الكامنة خلف إقتصاد السوق , ومراجعة دور الحكومة في الحياة الإقتصادية .

ما هو السوق 

نظام إقتصادي وليس فوضى إقتصادية : من السهل اعتبار أن السير السلس للإقتصاد أمر مفروغ منه , فحين تذهب إلى السوق نجد كل ما تريد .. الخبز.. الحليب ...الدجاج .. الموز فتدفع ثمنها وتأخذها إلى البيت وتأكلها فهل ثمة شيء أسهل من ذلك . ومع ذلك إذا نظرت بتمعن أكثر فسوف تبدأ في رؤية الشبكة الواسعة من الأنشطة الإقتصادية الازمة لملئ رفوف الدكاكين بالبضائع , فقد يمر الطعام من خلال خمس أو عشر حلقات قبل يصل إليك , وقد يسافر لأيام وأشهر من كل مكان أو كل زاوية من العالم . في أثناء مروره عبر سلسلة المزارعين , ثم مصنعي الطعام ومعبئيه والشاحنين وبائعي الجملة ثم بائعي المفرق , الأرقام مذهلة ستة بلايين دجاجة وستة بلايين رطل من الموز وهكذا إلى اخر القائمة ويبدو كأن الأمر أشبه بمعجزة إن لم يتم إنتاج الطعام بكميات مناسبة , وأن يشحن إلى المكان الصحيح وأن يصل بشكل مستصاغ إلى طاولة المستهلك .
لكن المعجزة الحقيقية هي أن النظام كله يعمل من دون إكراه , أو توجيه مركزي من أي شخص , بل تتم مشاركته طوعية في المتاجرة على أيدي ملايين من منشات الأعمال والمستهلكين , وتنسيق أعمالهم وأغراضهم بشكل خفي , وفق نظام الأسعار والأسواق , لا أحد يقرر كمية الدجاج التي ستنتج ولا جهة الشاحنات التي ستنقل ولا المكان الذي ستفتح فيه الدكاكين ومع ذلك فإنك ستجد الطعام في المخزن حين تتوجه إليه , ولا يقتصر الأمر على الطعام فالأسواق تصنع المعجزات من حولنا , وما علينا سوى أن ندقق النظر في الإقتصاد من حولنا لرؤية ذلك , فالألوف من السلع ينتجها ملايين من الناس طواعية , ومن دون توجيه مركزي أو خطة رئيسية , والواقع أن معظم حياتنا الإقتصادية فيما عدا إستثناءت قليلة مثل الجيش والشرطة والمدارس تسير من دون تدخل الحكومة وتلك هي القوة الحقيقية لاقتصاد السوق .
الية عمل السوق 
إقتصاد السوق هو الية مدروسة تقوم بتنسيق عمل الناس وأنشطتها ومنشات الأعمال من خلال نظام الأسعار والأسواق إنه جهاز إتصال لإحتواء معارف وأعمال البلايين من الأفراد المختلفين , وتحا الية السوق مشاكل الإنتاج والتوزيع المتعلقة بملايين العلاقات والمتغيرات غير المعروفة والمشاكل التي هي أكبر من قدرة أسرع جهاز حاسوب عالي التطور , ومن دون استعلامات أو إستخبارات مركزية , فلا أحد يصمم السوق , ومع ذلك فهو يعمل جيدا" بشكل ملحوظ , في إقتصاد السوق ليس ثمة شخص أو فرد أو تنظيم مسؤول عن الإنتاج والإستهلاك والتوزيع والتسعير .
فكيف تحدد الأسواق الأسعار والأجور والمخرجات ؟ كان السوق في الأصل مكانا" يمكن للبائعين والمشترين أن يتعاملوا فيه هناك العديد من الأسواق المهمة حيث يتجمع العديد من التجار في مكان واحد لعقد صفقات عمل , فعلى سبيل المثال تتم المتاجرو بالقمح والذرة في مجلس تجارة شيكاغو والنفط والبلاتين في سوق نيويورك للمبادلات التجارية , في حين تتم التجارة بالأحجار الكريمة في مقاطعة الألماس في نيويورك .
بشكل أشمل يجب النظر إلى السوق كالية عمل يمكن للبائعين والمشترين بواسطتها تقرير الأسعار وتبادل السلع والخدمات , وهناك أسواق لكل شيء تقريبا" , من الفن إلى النفايات أو الأشياء التي يمكن تدويرها كما تسمى الان , وقد يكون السوق متمركز في موقع معين , مثل سوق الأوراق المالية , أو غير متمركز كما هو الحال بالنسبة للمساكن أو العمالة , وقد يوجد السوق إلكترونيا" كما هو الحال بالنسبة للعديد من من الأصول والخدمات المالية التي تتم المتاجرة بها بواسطة الحاسوب , والصفة الحاسمة لأي سوق هي أنه يجمع البائعين والمشترين معا" للإتفاق على الأسعار والكميات .
السوق  market هو الية عمل يتفاعل من خلالها البائعون والمشترون لتقرير سعر وكمية سلعة أو خدمة , في نظام السوق لكل شيء سعر price  الذي هو قيمة السلعة حسبما تساوي من نقود , وتمثل الأسعار الشروط التي يقوم الناس والشركات على أساسها طوعا" بمبادلة مختلف السلع فحين أوافق على شراء سيارة فورد مستعملة من بائع بمبلغ 4000 $ فإن هذا يشير إلى أن السيارة تساوي من وجهة نظري أكثر من 4000$ وأن مبلغ 4000$ يساوي أكثر من قيمة السيارة في نظر البائع , لقد حدد سوق السيارات المستعملة سعر سيارة فورد المستعملة , ومن خلال التجارة الطوعيىة خصصت هذه السلعة للشخص الذي أعطاها أعلى قيمة .علاوة على ذلك يستفاد من الأسعار كإشارات للمنتجين والمستهلكين , فإذا أراد المستهلكون المزيد من أي سلعة , فإن السعر سيرتفع , ويعطي إشارة للمنتجين أن هناك حاجة إلى المزيد من السلع , فعلى سبيل المثال في كل صيف حين تخرج العائلات لقضاء عطلتها , يرتفع الطلب على البنزين وترتفع أسعاره أيضا" , وهذا يشجع شركات النفط على زيادة الإنتاج وبالذات البنزين , من جهة أخرى إذا زادت الكميات المخزنة من سلعة ما مثل السيارات فإن وكلاء بيع السيارات والشركات المصنعة ستخفض أسعارها كي تتخلص من مخزونها وحين ينخفض السعر فإن عددا" كبيرا" من المستهلكين سيطلب السيارات وسوف يرغب المنتجون في صنع عدد أقل . ونتيجة لذلك يستعاد التوازن ما بين المشتري والبائع .
ما يصح عن الأسواق بالنسبة للسلع الإستهلاكية يصح أيضا" عن عوامل الإنتاج , مثل الأرض والعمالة فإذا كانت هناك حاجة لبرامج الحاسوب اكثر من الحاجة لعمال المصانع فإن فرص العمل ستكون مواتية في مجال صناعة الحاسوب , وسوف يرتفع سعر مبرمجي الحاسوب , في حين تميل أجور العمال في المصانع إلى الإنخفاض كما حدث خلال الثمانينات , وسوف تجذب الزيارة النسبية في الأحور العمال نحو هذه الوظيفة النامية .
وهذا ما حدث في مجال التمريض , فقد قاد النمو الكبير في قطاع الرعاية الصحية خلال حقبة الثمانينات إلى توسع هائل في أعمال التمريض , مع وجود نقص كبير في أعداد الممرضات المدربات لشغل تلك الوظائف وقد قدمت المستشفيات جميع أنواع المغريات لجذب الممرضات , بما في ذلك تقديم شقق بإيجارات مخفضة وعناية منزلية بالأطفال بأسعار مخفضة , ومكافات عند تقديم العقد تصل لعشرة الاف دولار حتى أن إحدى المستشفيات أجرت يانصيبا" للممرضات وكانت الجائزة بسحب سلع مجانية من سوق مركزي قريب , لكن ما جذب الناس فعلا" لمهنة التمريض هو زيادة الأجور فخلال الفترة الممتدة ما بين 1982 إلى 1992 إرتفع دخل التمريض 70% وأصبح دخل الممرضات يوازي دخل المحاسبين أو المهندس المعماري , وقد جذب أجر الممرضات العدد الكافي من الناس إلى مهنة التمريض مما أدى إلى إنتهاء مشكلة نقص العاملين في هذا المجال .
تقوم الأسعار بالعمل على تنسيق قرارات المنتجين والمستهلكين في السوق , فالأسعار الأعلى تميل إلى خفض مشتريات المستهلكين وتشجع الإنتاج والأسعار المخفضة تشجع الإستهلاك ولا تشجع الإنتاج , الأسعار هي عجلة التوازن في الية عمل السوق .
توازن السوق في كل لحظة هناك أناس يشترون , وفي الوقت نفسه هناك أناس يبيعون والشركات تخترع منتجات جديدة , في حين تقوم الحكومات بتمرير قوانين تنظيم المنتجات القديمة , والشركات الأجنبية تقيم مصانع في أمريكا , في حين تبيع الشركات الأمريكية منتجاتها في الخارج , ومع ذلك ووسط كل هذا الصخب فإن الأسواق تحل مشكلة أي وكيف ولمن التي توازن بين جميع القوى الفاعلة في الإقتصاد وتضبط توازن العرض والطلب , والمشترين جميعا" الأسر والشركات جميعا" يريدون شراء أو بيع كميات معينة اعتمادا" على سعر ما , وفي الوقت نفسه يجد السوق السعر المتوازن الذي يلبي رغبات المشترين والبائعين , فسعر مرتفع جدا" قد يعني إغراق السوق بالسلع , وزيادة المخرجات بقدر كبير وسعر منخفض جدا" قد ينجم عنه صفوف طويلة أمام الدكاكين , ونقص كبير في السلع فالأسعار التي يرغب المشترون أن يشتروا بها الكمية التي يرغب البائعون بيعها , تولد توازن العرض والطلب .

إلى هنا نأتي إلى نهاية مقالتي هذه أملا" ان اكون قد وفقت بطرح مادة ومحتوى جيد يزيد من وعيكم وإدراككم للإقتصاد الحديث 
وشكرا" لمتابعتكم وإشتراككم في الموقع 

أحدث أقدم